تتزامن دعوة الازهر الى تدريب وارسال ائمة مساجد معتدلين الى اوروبا لمواجهةِ الأفكارِالمتطرفة للجماعات الارهابية كداعش، مع اعتزام فرنسا طرد ائمة وغلق مساجد على اراضيها على خلفية هجمات باريس الاخيرة.
ورغم ان السنوات الماضية وبالتحديد منذ اندلاع الازمة السورية اثبتت وقوف اجهزة المخابرات الغربية والعربية وراء تأهيل ارهابيين من الجالية المسلمة في اوروبا والغرب عموما وارسالهم الى سوريا والعراق، الا ان اهتمام الازهر بمقاربة المعالجة الفكرية للارهاب وتشديد فرنسا لاجراءاتها على المساجد وائمتها وخطبائها، رفعتا الى الواجهة دور الجهات والمصادر التي تغذي التطرف والارهاب خاصة بين صفوف الشباب ومن بينهم الذين هاجروا واقاموا في البلدان الغربية.
ومن المعروف ان ظاهرة الارهاب استثمرت الفرص التي اتاحتها العولمة خاصة على صعيد تسهيل حركة البشر والمال والافكار والاعلام، الا ان نموها في المنطقة لم يكن مقدورا لولا وجود الدول والجهات الراعية والداعمة للتنظيمات الارهابية ولولا وجود بؤر لمد هذه التنظيمات بالافكار والايديولوجيات المتطرفة والتكفيرية.
من جهة اخرى اتهم مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية التابع لدار الإفتاء المصرية أشهر علماء الوهابية في السعودية، (ابن عثيمين) بـ”الضلال”، مؤكدا أن فتاويه “الشاذة” التي تبيح قتل النساء والصبيان، كانت هي المرجع الأساسي للمتطرفين لقتل المدنيين.
وشدد المرصد على أن الإعلام الغربي يستغل مثل هذه الفتاوى الشاذة لتشويه صورة الإسلام وزرع “الإسلاموفوبيا” في الغرب، واستعداء الرأي العام الدولي على المسلمين.
وأشار إلى أنه، رصد فتوى لعالم الدين الوهابي بن عثيمين يبيح فيها قتل النساء والأطفال من المدنيين بقوله “الظاهر أنه لنا أن نقتل النساء والصبيان؛ لما في ذلك من كسر لقلوب الأعداء وإهانتهم ولعموم قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم) بحسب زعمه”.
واكد المرصد أن مثل هذه الفتاوى تخالف ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) من نهي عن قتل النساء والصبيان في الحرب، وأتى بحديث مفاده أن النبي (صلى الله عليه وآله) رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فأنكر قتل النساء والصبيان.
وأكد أن فتوى ابن عثيمين تخالف القاعدة الشرعية التي تقول “ولا تزر وازرة وز أخرى”، وقال “ليس من العدل أن يؤخذ أحد بجريرة غيره، فالنبي (صلى الله عليه وآله) قال في حجة الوداع (ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده)؛ أي لا يتعد إثم جناية أحد إلى غيره”.
وتساءل “فكيف نأتي نحن ونقتل أناسا عزل في غير ساحة المعركة بناء على اجتهاد من رجل لم يتثبت في فتواه ولم يتورع عن الدماء؟”.
وأوضح أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ينهى أصحابه في الغزوات من قتل النساء بقوله: “انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلّوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)”.
وان كانت هناك دول اقليمية تدخل ضمن الدول الداعمة لهذه التنظيمات والجماعات، الا ان البلد الابرز الذي قدم الدعم المالي والسياسي ومثل الرافد الفكري لهذه الجماعات هو السعودية حيث المؤسسة الوهابية السلفية والدولة التي دعمت طيلة السنوات الماضية الجماعات الارهابية في سوريا والعراق كما ان الدور السعودي غير خاف على احد في تجييش الائمة والشيوخ في مساجد اوروبا والولايات المتحدة لترويج الفكر الوهابي وايديولوجية التطرف والارهاب في اطار ما يعرف بالسلفية الجهادية وعضد هذا التيار بالفتاوى التكفيرية لتبرير القتل والذبح باسم الاسلام.
وكانت هجمات باريس الصدمة الاكبر حتى هذه اللحظة التي تلقتها الدول الاوروبية جراء الغطاء السياسي الذي قدمته للجماعات الارهابية في سوريا والعراق وجراء عدم وقوفها بوجه الدول الداعمة والراعية لهذه الجماعات، وبالتالي عدم مساس منظومة الارهاب الفكرية وادواتها خاصة في السعودية والتي تشرعن القتل والذبح عبر المساجد والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي.
وان وجد الازهر الذي يعرف نفسه كمرجعية دينية وسطية مسؤولا عن اصلاح هذا التخريب والانحراف الفكري الدموي الذي بات يشوه الاسلام ويؤثر سلبا على سمعة المسلمين كما يهدد وجود الجاليات المسلمة في الغرب وممارساتها الدينية بعيدا عن التطرف، فان على الازهر وغيره من المؤسسات والمرجعيات المعنية وكذلك الدول والحكومات العربية والاسلامية ان تتعاضد لمحاربة الجماعات الارهابية وتعمل بقوة على تجفيف منابع الارهاب والفكر المتطرف والتكفيري خاصة المنظومة الفكرية التي تقودها المؤسسة الوهابية في السعودية وبعض البلدان الاخرى قبل فوات الاوان.